في عالم العطور الفاخرة، حيث قد يصل سعر الزجاجة الواحدة إلى مئات الدولارات، يزدهر سوق موازٍ يعتمد على إعادة إنتاج تلك الروائح. ولكن، هل كل عطر يشبه عطراً آخر هو "تقليد"؟
يخلط الكثيرون بين مصطلح التقليد (Imitation/Dupes) ومصطلح المحاكاة (Simulation/Reconstruction). ورغم أن النتيجة قد تبدو متشابهة للأنف غير المتدرب، إلا أن العمليات الكيميائية والفنية وراء كل منهما تختلف جذرياً.
أولاً: التقليد (Imitation).. استنساخ الرائحة (The Dupe)
التقليد في العطور هو محاولة صنع نسخة طبق الأصل من عطر موجود وناجح تجارياً (مثل Baccarat Rouge 540 أو Creed Aventus) بأقل تكلفة ممكنة.
كيف يحدث؟
يعتمد التقليد بشكل أساسي على التحليل الكيميائي باستخدام جهاز (Gas Chromatography - Mass Spectrometry). يتم وضع العطر الأصلي في الجهاز لفك شفرته ومعرفة مكوناته الكيميائية، ثم يقوم الكيميائيون بخلط مواد (غالباً صناعية ورخيصة) للوصول إلى رائحة تطابق العطر الأصلي بنسبة 90-95%.
خصائص التقليد:
- الهدف: تجاري بحت (بيع رائحة مشهورة بسعر رخيص).
- العمق: غالباً ما يكون العطر "مسطحاً" (Linear)؛ أي أن رائحته لا تتغير كثيراً بمرور الوقت، وتفتقد لتدرجات الهرم العطري المعقدة.
- المكونات: استبدال الزيوت الطبيعية النادرة ببدائل كيميائية (Synthetics) لخفض التكلفة.
ثانياً: المحاكاة (Simulation).. إعادة بناء الواقع أو الهيكلية
المحاكاة في العطور هي عملية أرقى وأكثر تعقيداً، وتأخذ شكلين رئيسيين:
1. محاكاة الطبيعة (Headspace Technology):
هنا لا يقلد العطار عطراً آخر، بل يحاكي "رائحة واقعية" لا يمكن استخلاص زيتها بالطرق التقليدية (مثل رائحة هواء البحر، رائحة المطر على الأسفلت، أو زهرة نادرة لا تفرز زيتاً). يستخدم العلماء تقنيات لشفط الهواء المحيط بالمصدر وتحليله، ثم محاكاة هذه الرائحة في المختبر لخلق تجربة شمية واقعية.
2. المحاكاة الفنية (Inspiration/Twist):
عندما يقوم عطار عالمي بأخذ "الهيكل العطري" (DNA) لعطر ناجح، ولكنه يعيد بناءه بمكونات مختلفة ليخلق تجربة جديدة. هو لا ينسخ العطر، بل يحاكي "النمط" الخاص به ويضيف عليه بصمته.